قامت جمعية آباء وأولياء التلاميذ بمدرسة عبد المالك السعدي التابعة لمديرية الرباط، بتوزيع أزيد من 1000 دفتر بطريقة إبداعية على التلاميذ، مما خلف استحسان فكرة الجمعية لكونها ذات بعد التربوي وحاملة لإحساس وطني.
يتعلق الأمر، بتزيين صفحتي غلاف كل دفتر بما يجعله ذا قيمة في عيني التلميذ أو التلميذة وأوليائهم. ذلك أن الصفحة الأولى من غلاف الدفتر، تحمل صور 9 صور لمختلف أنشطة الجمعية بالاضافة الى صورة لواجهة المدرسة، ولوغو للجمعية. مع قلب الصفحة يجد التلميذ النشيد الوطني كاملاً.
وقد انتبهت بصفتي رئيس جمعية آباء وأولياء التلاميذ بمدرسة عبد المالك السعدي الزميل، لأهمية طبع النشيد الوطني لفائدة الناشئة بالمدرسة لكون بعض الكبار والشباب لا يحفظونه، خاصة عندما تنقلهم الكاميرات وهو لا يرددون نشيد الأمة المغربية في بداية مباريات رياضية على المستوى العالمي.
في الصفحة الأخيرة من الدفتر، تعمدت نشر صورة واحدة تحيزت الغلاف كله، وخصصت بها جلالة الملك محمد السادس، وفي الخلفية صورة ممتدة للصحراء المغربية بلون الرمال ومزينة بلون العلم الوطني، في منظر عجيب يرمز لوحدتنا الوطنية ووحدتنا الترابية. وقد فكرت الجمعية بذلك في تذكير الناشئة بهذه الثوابت الوطنية في ظروف تتسم بمشاحنات من الخصوم ضد الوطن، سيما وأن الدفاتر وهي ذات جودة، ستبقى أمام التلاميذ وفي محافظهم طيلة السنة الدراسية.
كان طبيعيا أن تثير هذه المبادرة اللافتة فضول الصحافة يوم توزيع الدفاتر على 176 تلميذ وتلميذة بذات المدرسة، إلا أن الجمعية اصطدمت بشرط تعجيزي يمنع نشاطا صغيرا وذا أهمية داخل أسوار مدرسة عبد المالك السعدي.
يذكر أن مدير مدرسة عبد المالك السعدي، المعروف بحكمته وحسن إدارته، كان سيجد حلا لولا أن دخول أعوان السلطة (مقدمين) على الخط، وهم يحومون حول المدرسة تسبب في كثير من الإحراج.
كان الشرط هو ضرورة الحصول أولا على ترخيص من وزارة التربية الوطنية والرياضة. لهذا سارع رئيس جمعية آباء وأولياء التلاميذ بمدرسة عبد المالك السعدي الى الوزارة في باب الرواح، وهناك طلب منه مسئولون ضمنهم رؤساء مصالح العدول عن فكرة توزيع الدفاتر بحضور الصحافة، بل ذهبوا معه إلى حد عدم اعتبار الموضوع أصلاً، وذلك بتفاديه من الأصل.
كان المبرر الذي تلقاه رئيس جمعية آباء وأولياء التلاميذ بمدرسة عبد المالك السعدي في وزارة شكيب بنموسى، هو أن جلالة الملك لم يعط انطلاقة برنامج توزيع مليون محفظة الذي جرت العادة به منذ سنوات. وبالتالي لا داعي لكتابة ولو مجرد خبر عن مبادرة جمعية آباء وأولياء التلاميذ بمدرسة عبد المالك السعدي رغم أنها مبادرة تتسم بروح الابتكار والإبداع.
يذكر أن الملك كان أعطى انطلاقة المبادرة الملكية “مليون محفظة” سنة 2008، وباتت منذ ذلك التاريخ، تنظم كل عام بداية كل موسم دراسي، في إطار جهود إصلاح وتعميم التعليم الأساسي، وتتميز هذه العملية، التي يستفيد منها تلاميذ التعليم الابتدائي والثانوي، بإعطاء الأولوية لتلاميذ العالم القروي بنسية 64 %، وبكونها ذات أهداف ملكية نبيلة تروم ضمان تكافؤ الفرص في مجال التعليم ومحاربة الهدر المدرسي…الخ
ومنذ انطلاقتها قبل 14 سنة مضت، ظلت تندرج مبادرة “مليون محفظة” في سياق الإستراتيجية الوطنية للدعم الاجتماعي للأطفال المتمدرسين وأسرهم، وإذا كان قد رُصد لها مثلاً في 2008 مبلغ بقيمة 390 مليون درهم، فإن هذا الرصيد لم يبق جامدا، بل كانت الموارد المالية لبرنامج “مليون محفظة” تنمو وتزداد حسب تحقيق الأهداف من هذا البرنامج الملكي. مثلا في الموسم الدراسي لـ2016/2017 تم رصد ما تزيد قيمته المالية عن 2 مليار و149 مليون درهم. وكان ذلك الموسم قمة في العطاء، ليبدأ انتكاس البرنامج.
يذكر أن هذه الإستراتيجية كانت تشمل، برنامج الدعم المالي للأسر الفقيرة “تيسير” (777 مليون درهم) – مساعدة مالية تشترط تمدرس أطفال الأسر المستفيدة، وكذا برامج تحسين خدمات الإطعام المدرسي وفي الداخليات بالنسبة للتلاميذ الممنوحين (948 مليون درهم)، وأما النقل المدرسي فقد خصص له (34 مليون درهم).
كان زمن كورونا، مناسبة لترقيد عملية توزيع “مليون محفظة”، ولهذا لا ينبغي إيقاظ فتنة راقدة كما يقال، ولا داعي بالتالي حسب رأي المسؤولين في الوزارة، لتصوير توزيع الدفاتر في مدرسة لا يتجاوز عدد التلاميذ بها 200 تلميذاً. المبرر لا يبدو مقنعاً.
لذلك تم اللجوء لتقوية المنع من خلال حديث مسؤولة بالأكاديمية الجهوية الرباط سلا القنيطرة، اتصلت هي الأخرى برئيس جمعية آباء وأولياء التلاميذ بمدرسة عبد المالك السعدي، لتخبره بوجود مذكرة من الوزارة تمنع مثل هذه الأنشطة.
وأضافت ذات المسؤولة، بأنها سترسل إلى رئيس الجمعية تسجيلاً صوتيا حول وجود هذه المذكرة توصلت به هي الأخرى من مسؤول آخر عبر تطبيق الواتساب. ولكنها لم ترسل شيئاً، لأن الأصل في المذكرة أي مذكرة وزارية، أنها لا تكون عبارة عن تسجيل صوتي، وإنما كتاباً في شكل ورقة يتم تعميمه على المديريات وعلى المدارس على طول وعرض المغرب بوسائل الإرسال المعروفة.
واضح إذاً، أن هناك شبهات تحوم حول وجود ثقوب في برنامج “مليون محفظة” الذي أعطى جلالة الملك انطلاقته منذ 2008.
وليست هذه أول مرة، يظهر الدخان عاليا من احتراق محفظات التلاميذ، لسبب سوء أو عدم تقدير نبل هذه المبادرة الملكية. ففي الموسم الدراسي 2017، صدر تقرير حول من المجلس الأعلى للحسابات يحصي الثقوب في هذا البرنامج التضامني الوطني.
أشار التقرير وقتذاك، إلى وجود الاستفادة غير المتكافئة بين جميع مستويات الابتدائي والإعدادي في المجالين القروي والحضري. لأن بعض المستويات الدراسية تحصل على الحقيبة كاملة في حين، لا تستفيد نفس المستويات الدراسية الأخرى إلا من الكتب أو اللوازم المدرسية وحدها أو اللوازم المدرسية ولا شيء معها، أو إعطاء الكتب المستعملة التي يتم إعادة توزيعها.
وفي الدخول الدراسي لهذا الموسم، توصل بعض التلاميذ بالمحافظ او بجزء منها، كما سلفت الإشارة، في مناطق محدودة فقط، لسبب تعثر البرنامج الملكي.
وما زاد الطين بلة، خبر إرجاع كميات من المحافظ المدرسية قبل أيام، كانت في باخرة من الصين نحو المغرب، بمبرر أنها ليست ذات جودة، الشيء حرم أبناء الفقراء منها، وألهب أسعار المحفظات في السوق بنسبة تجاوزت 100%. وقد اكتوت الأسر محدودة أو عديمة الدخل من هذا الغلاء مع الدخول المدرسي لهذه السنة، بسبب التراجع المهول واللافت لبرنامج “مليون محفظة”.
على المستوى المالي، أي تمويل برنامج ”مليون محفظة ”، لاحظ المجلس عدم احترام العديد من الشركاء لالتزاماتهم المالية المتفق عليها، في اتفاقية الشراكة الموقعة بتاريخ شتنبر2008. كما تم تسجيل عدم انتظام المساهمات سنويا. إذ تبين وجود اختلاف واضح في حصص المساهمات بالنسبة لمجموعة من الشركاء من سنة لأخرى، وكذا عدم التزام مجموعة من الشركاء بتعهداتهم، حيث إنه من بين 22 مساهما لم يستمر سوى 9 شركاء في الوفاء بالتزاماتهم المالية، وهذا من ضمن ما سجله تقرير رسمي صادر من مؤسسة دستورية قبل خمس سنوات، الى غاية الموسم الدراسي 2022/2023.
لا شك أن الوضعية ستزداد سوءً، ببساطة لوجود نية مبيتة في وأد هذه المبادرة الملكية الهادفة والنبيلة، والسبب أنه لا تتم المصادقة على الميزانية السنوية الخاصة ببرنامج ”مليون محفظة”، التي تعدها ”الجمعية المغربية لدعم التمدرس”.
ظلت تتراكم مثل هذه المشاكل مع مرور السنوات الى أن أصبحت معضلة، مما عرض برنامج ”مليون محفظة”، لشبه إفلاس مالي، لسبب تراكم الديون عليه. فقد بلغ حجم الديون المتراكمة إلى حدود نهاية السنة المالية 2016 مثلاً، ما قدره 383 مليون درهم، لارتفاع تكلفة توفير ”مليون محفظة” مع كل مستلزماتها.
لم يكن الوزراء المتعاقبون على هذا القطاع في المدة الأخيرة وهم محمد حصاد وسعيد أمزازي والآن شكيب بنموسى وهو تكنوقراطي بدون أي لون سياسي، يعيرون الاهتمام لهذه المبادرة الملكية الرامية لمساعدة الأسر الفقيرة خاصة خلال الدخول المدرسي الذي تتضاعف فيه النفقات والمصاريف.
لم يسأل أي من هؤلاء الوزراء مرة أو راسل الشركاء لصرف مساهماتهم لفائدة محفظات أبناء الأسر الفقيرة، لكون ابنائهم يدرسون في البعثات وخارج المغرب.
بعد أن تبخر حلم مجانية التعليم الذي كانت الأحزاب اليسارية والنقابات تدغدغ به المشاعر، ها قد جاء الدور للإجهاز على مبادرة توفير “مليون محفظة”.