تقرير النقابة الوطنية للصحافة المغربية حول التغطية الإعلامية لحادث الطفل ريان: الخروقات والتوصيات”

تتمثل المهمة الرئيسية لوسائل الإعلام في صياغة ونشر وتوزيع الأخبار والمعلومات والآراء، وتلعب دورا في تشكيل الوعي الجمعي من خلال خلق معانٍ ثابتة للأحداث وإيجاد تفسيرات مناسبة، لذلك يجب أن تتحرى بالدقة اللازمة في نقل الأخبار والموضوعية في معالجتها والحياد في التعليق عليها والمسؤولية بالالتزام بأخلاقيات المهنة المتعارف عليها. كما يفترض في الصحافي المهني تَلَمُّس أكبر قدر من المصداقية في نشر الخبر الصحيح دون تبخيس أو تضخيم أو تضليل، خاصة عندما يتعلق الأمر بمعالجة أحداث ووقائع ذات بعد وطني ودولي وتحظى بأكبر قدر من المتابعة والاهتمام، كما هو الشأن في حادث سقوط الطفل ريان في بئر على عمق 32 مترا شهر فبراير 2022 والتي اكتسبت عملية إنقاذه زخما إعلاميا غير مسبوق.

وفي خضم البحث عن تحقيق السبق الصحافي في الحوادث والفواجع، فإن الصحافي المهني معرض للسقوط في أحد الأمرين: إما تقديم الحقائق الثابتة والمعلومات الصحيحة أو السقوط في فخ الترويج لأخبار زائفة، ومن هنا جاءت الحاجة إلى التقيد بالميثاق الوطني لأخلاقيات المهنة الصادر عن المجلس الوطني للصحافة كمؤسسة للتنظيم الذاتي للمهنة في يوليوز 2019، حيث يجسد الممارسات الفضلى التي يقوم عليها شرف المهنة، والتي يجب على الصحافيون الخضوع إليها والوارد أحكامه ومبادئه، خاصة أن المشرع ارتقى به إلى وثيقة قانونية ملزمة لتكريس قواعد السلوك المهني، وفق ما هو منصوص عليه في قانون المجلس الوطني للصحافة وفي النظام الداخلي للمجلس.

واكتسب التناول الإعلامي لفاجعة الطفل ريان في الفترة ما بين فاتح فبراير و5 فبراير 2022 حساسية أكبر بعد أن تحولت من قضية محلية إلى كونية، كما ظهر من حجم التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الأجنبية في القارات الخمس، وأيضا بعد أن تبين أن كل التغطيات الدولية تمتح من مصدر واحد: وهم الصحافيون المغاربة المتواجدون في عين المكان (قرية إغران التابعة لإقليم شفشاون) طيلة عملية الإنقاذ، ما خلق تحديا جديدا على الصحافيين لعدم السقوط في فخ ترويج “أخبار زائفة”.

 

  1. التدخل الاستباقي:

بعد أن أصبحت قضية إنقاذ الطفل ريان تحظى بمواكبة عالمية، تكررت النداءات الموجهة إلى الصحافيين للتقيد بأخلاقيات المهنة أثناء تغطية عملية الإنقاذ المعقدة، وسجل صدور بلاغين في الموضوع لمؤسستين خاصتين بالمهنيين وهما: المجلس الوطني للصحافة، والنقابة الوطنية للصحافة المغربية.

v أولا: عبر المجلس الوطني للصحافة في بلاغه الصادر في 4 فبراير 2022، والذي تناقلته منابر إعلامية، عن “أسفه الشديد لبعض الممارسات المشينة التي صاحبت تغطية محاولات إنقاذ الطفل ريان”، مسجلا “العديد من الخروقات المخالفة لميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، والتي تم ارتكابها من طرف بعض الصحف الإلكترونية، في تجاهل تام للمبادئ الإنسانية التي يتضمنها الميثاق المذكور، والتي من المفترض أن تلتزم بها المقاولات الصحافية والصحافيون المهنيون، خاصة في ظل أزمات وفواجع”. كما وجه دعوة إلى مختلف وسائل الإعلام “من أجل الالتزام بأخلاقيات المهنة ومبادئها النبيلة وقواعدها”، منبها إلى أن “تغطية الفواجع الإنسانية، تعتبر محكا رئيسيا لمدى احترام الصحافة لمسؤوليتها الاجتماعية وحرصها على ألا تحول الفواجع إلى وسيلة للربح والارتزاق“.

v ثانيا: دعت النقابة الوطنية للصحافة المغربية في بلاغ لها بتاريخ 4 فبراير عموم المراسلين والصحافيين المتواجدين في مكان الحادث وكل المواقع والمنابر المهنية إلى “التحلي بالأخلاقيات المهنية التي تفرض التثبت من الخبر قبل إعلانه، والابتعاد عن العناوين والجمل التي تحفل بالإثارة”، و”انتقاء المحاورين ممن تتوفر فيهم الأهلية، والابتعاد عن محاورة وتصوير القاصرين”.

 

  1. منهجية التقرير:

تم إنجاز هذا التقرير الذي يرصد تغطيات الصحف الإلكترونية لحادثة الطفل ريان من زاوية أخلاقيات المهنة، وذلك بهدف تقييم هذه التغطيات ورصد الخروقات المرتبطة بأخلاقيات الممارسة المهنية، قصد تنبيه الزميلات والزملاء الصحافيات والصحافيين إلى المزالق التي قد يقع فيها الصحافي أثناء هذه التغطيات، خصوصا المرتبطة بحادث ذي طابع مأساوي يستأثر باهتمام الرأي العام المحلي والوطني والدولي، وذلك من أجل تجاوزها مستقبلا.

وقد اعتمد التقرير على منهجية قائمة على تتبع المادة الإخبارية المبثوثة عبر الفيديوهات، والتي تزاوج بين الإخبار والتعليق أو الحوار، والتي اعتمدت تقنية البث المباشر التي يكون فيها الصحافي عرضة إلى ارتكاب أخطاء مهنية مما يستلزم يقظة دائمة، كما اعتمدت على رصد المادة الخبرية المكتوبة أو المصورة، وقد اعتمد تقييم المواد المرئية والمكتوبة على مرجع معياري متمثل في “الميثاق الوطني لأخلاقيات المهنة” الذي أصدره المجلس الوطني للصحافة والمنشور في الجريدة الرسمية في 29 يوليوز 2019.

 

  1. الخروقات المرصودة:

يتضمن هذا التقرير مجمل الخروقات التي تم رصدها في تغطية الصحف الإلكترونية لفاجعة الطفل ريان، والتي تنوعت بين مخالفة بنود المسؤولية المهنية والمسؤولية إزاء المجتمع:

–         المسؤولية المهنية: 

  • تناقلت العديد من المواقع الإخبارية بثا حيا بعناوين مختلفة تدعي الوصول إلى الطفل ريان والاقتراب من إخراجه من البئر، وهي أخبار تكررت على مدار الساعة منذ بدء فريق الإنقاذ عملية الحفر حتى لحظة الإعلان عن الوفاة، وبرزت هذه العناوين بكثافة لدى موقعي “شوف تيفي” و”آش واقع”. وقد ترتب عن هذا السلوك تضارب في المعلومات وخلق لبس لدى الجمهور الذي يتابع تطورات الحادثة وطنيا ودوليا، لأنه قد جرى نقل مباشر لهذه التغطيات على العديد من القنوات الإخبارية العربية وأبرزها قناة “الجزيرة” و”العربية” و”الغد” و”العربي”.
  • عمد موقع “الجديد نيوز” إلى نشر تسجيل على حسابه في “تويتر” بعنوان “لحظة إخراج الطفل ريان ونقله لتلقي العلاج اللازم”، فيما تبين أن الخبر زائف، وأن التسجيل قديم لا يرتبط بحادثة محاولة إنقاذ الطفل ريان، بل يعود إلى توثيق عملية إنقاذ نفذتها فرق الدفاع المدني العراقية لطفل سقط داخل بئر بعمق 35 متراً في منطقة تازة جنوبي محافظة كركوك، في 31 دجنبر 2021.
  • نشر موقع “سوس بلوس” الإخباري صورة يدعي أنها لفريق الإنقاذ المغربي أخذت بواسطة طائرة الدرون، وهو ادعاء غير صحيح إذ إن الصورة قديمة وتعود إلى توثيق عملية إنقاذ طفل سقط في بئر في إدلب السورية في مارس 2021، ولا علاقة لها بعملية إنقاذ الطفل المغربي ريان نواحي شفشاون.

إن هذه الممارسات السالفة الذكر تتنافى مع محور “المسؤولية المهنية” من نص الميثاق الوطني لأخلاقيات الصحافة، الذي ينص على مبادئ رئيسية وهي: البحث عن الحقيقة من خلال نشر معلومات صحيحة مستقاة بطرق سليمة ومعالجة بشكل، وتجنب الاختلاق والتضليل ونشر الأخبار الكاذبة أو فبركة الصور أو الفيديوهات، والافتراء والتحايل على المتلقين في الصحافة والمواقع الإلكترونية، وتجنب تزوير المعطيات من خلال التزام المنابر الإعلامية بالنزاهة في الإعلان عن تغطياتها الموجهة لشركائها وللجمهور. 

المسؤولية إزاء المجتمع:

  • تصوير الطفل ريان في قاع البئر بوجهه الدامي، وفي وضعية إنسانية صعبة، مما شكل ضررا بمشاعر عائلته، وقد نقلت عدد من المواقع الإلكترونية هذه الصور وهي: “le360” و”شوف تيفي” و”أخبارنا” و”الزنقة 20″ و”هبة بريس” و”ماروك ميديا” و”أنتلجينسا”.

تعد هذه الممارسة خرقا لمبدأ الحق في الصورة، حيث لكل شخص الحق في تملك صورته وطرق استعمالها من طرف الغير، اللهم إذا كانت الصورة المستعملة تدخل في إطار ضرورات الإخبار أو مبررة موضوعيا بمصلحة عامة، أو إذا كان المعني بالأمر شخصية عمومية، أو موافقا على التقاط صورته واستعمالها، لكن هذه الشروط لا تتحقق في حالة الطفل ريان فهو قاصر في وضعية مأساوية.

  • محاورة أسرة الطفل وهم في وضعية إنسانية جد صعبة، وملاحقتهم وتصويرهم وهم في حالة من التأثر الشديد وطرح أسئلة عليهم لا تمت للمهنية الصحفية بصلة، وقد أتى هذه الممارسة جل المواقع الإلكترونية التي كانت في موقع الحادث.

يعد هذا السلوك انتهاكا لمبدأ احترام الكرامة الإنسانية المنصوص عليه بالميثاق الذي يأتي تفصيله: “من واجب الصحافة احترام كرامة الإنسان في كل التغطيات الإخبارية نصا وصورة وصوتا، ولا يجوز استغلال لحظات الضعف الإنساني أو الإعاقة العقلية أو الجسدية لخرق مبدأ احترام الكرامة الإنسانية، كما لا يجوز نقل صور البشاعة أو العنف أو التشوهات الجسدية، ويجب تجنب التقارير التي من شأنها أن تشكل ضررا لمشاعر الضحايا أو ذويهم، وخصوصا في الحوادث والكوارث الطبيعية والجرائم والحروب”.

  • تصوير واستجواب أطفال قاصرين وهم في حالة صدمة ووضعية نفسية صعبة، جراء التأثر بالحادث، وكذا نشر صور قاصرين عبر أشرطة مصورة بمحيط عملية الإنقاذ، بغرض الإثارة المجانية، دونما الأخذ بعين الاعتبار لوضعيتهم النفسية أو سنهم. 

تتنافى هذه الأفعال بشكل قطعي مع مبدأ حماية القاصرين، حيث ينص الميثاق على وجوب حماية القاصرين وصورهم في قضايا حساسة اجتماعيا، وتجنب أن يكونوا موضوع فيديوهات يتم استدراجهم لها بغرض الإثارة المجانية، أو أن يكونوا هدفا لأشرطة مصورة تتضمن العنف والميوعة وانحدار القيم الإنسانية.

  1. توصيات: 

من خلال رصد التغطيات الإعلامية لعملية إنقاذ الطفل ريان أورام، يظهر حصول انزلاقات فيما يخص احترام أخلاقيات المهنة، وهي خروقات مترتبة أحيانا عن جهل الصحافيين المهنيين بالقواعد المهنية، وأحيانا أخرى بتجاوزها عمدا بحثا عن الإثارة أو جلب المشاهدات أو التنافس على السبق الصحفي.

أمام هذه الوضعية، يوصي هذا التقرير بـ:

–         أولا: تكوين الصحافيين في مجال أخلاقيات المهنة، سواء عبر إحداث تكوينات أساسية في معاهد التكوين العمومية والخاصة، أو من طرف المقاولات الإعلامية.

–         ثانيا: تعميم ميثاق أخلاقيات المهنة على جميع الصحافيين وإنتاج دلائل مساعدة.

–         ثالثا: التزام المؤسسات الإعلامية الصارم بالتقيد بأخلاقيات المهنة، واضطلاع رؤساء التحرير ومدراء النشر بمسؤولياتهم في “فلترة” المعالجات الإعلامية التي لا تحترم أبجديات العمل المهني ولا تلتزم بأخلاقيات المهنة.

–         رابعا: حزم المجلس الوطني للصحافة في تطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانونه الأساسي ضد المخالفين لأخلاقيات المهنة سواء الصحافيين أو المقاولات المشغلة